على مدار الأشهر الأخيرة، شهدت فرنسا والجزائر موجة غير مسبوقة من الشائعات والأخبار المفبركة، انتشرت على وسائل التواصل الاجتماعي وفي الإعلام، تضمنت ادعاءات من قبيل منع الكسكس في فرنسا، أو تعقب حلويات عيد الميلاد الفرنسية في الجزائرـ في تعبير ساخر للإشارة إلى التضليل الإعلامي المبالغ فيه ـ وصولا إلى مزاعم عن ملايين الجزائريين «المسلحين بالسكاكين» في مترو باريس. تحقيق القناة الثانية الفرنسية يكشف أن هذه الحملات لم تكن مجرد أخطاء أو مبالغات، بل هي جزء من حرب معلومات مدروسة تهدف إلى نشر الريبة بين الشعبين، وإشعال غضب الرأي العام، وخلق بيئة مشحونة بالشك والكراهية. هذه المعركة الإعلامية كانت مدخلا إلى مرحلة أكثر خطورة، تتضمن عمليات سرية وتجنيد عملاء وملاحقات مباشرة.
الاختطاف على الأراضي الفرنسية: قضية أمير بوخور
أبرز ما كشف عنه تحقيق القناة الثانية الفرنسية، وفقا للوثائق والمصادر، حادثة اختطاف أمير بوخور، والذي يبلغ من العمر 42 عاما، وهو مؤثر جزائري لاجئ سياسي في فرنسا، والتي تعد نقطة تحول خطيرة في هذه المواجهة الخفية. في أبريل 2024، تعرض بوخور للاختطاف، قرب باريس، على يد رجال انتحلوا صفة الشرطة، اقتادوه إلى مكان مجهول، وخُدّر لمدة 27 ساعة، قبل إطلاق سراحه. التحقيق الفرنسي كشف عن تورط دبلوماسيين جزائريين في مراقبته قبل العملية، وإيقاف أحدهم لاحقا، في حين نفت الجزائر أي مسؤولية لها عما حدث ووصفت القضية بالمفبركة، لكنها ردت بطرد 12 دبلوماسيا فرنسيا، وردت فرنسا بالمثل، مما أدى إلى أزمة دبلوماسية شديدة.
هذا الملف لم يقتصر على اختطاف فرد، بل أظهر مدى استعداد بعض أجهزة الاستخبارات الجزائرية للتدخل في أراضي دولة أخرى، واستهداف أشخاص تعتبرهم معارضين أو غير ملتزمين بالخط الرسمي للجزائر.
التجسس وتجنيد مزدوجي الجنسية
لم تتوقف العمليات عند الاختطافات، بل شملت تجنيد عملاء داخل مؤسسات الدولة الفرنسية. أبرز هذه الملفات كان ما بات يعرف بـ«جاسوس بيرسي»، موظف في وزارة المالية الفرنسية متهم بتسريب معلومات حساسة، وأكد أنه تعرض للضغط والتهديد من قبل السلطات الجزائرية لعائلته المقيمة في الجزائر.
هذه الحالات توضح استراتيجية معقدة تعتمد على الابتزاز العاطفي والاستغلال النفسي للجاليات المزدوجة الجنسية، وتحويل الروابط العائلية إلى وسيلة للضغط والتأثير في مؤسسات دولة أجنبية، بما يهدد سيادة فرنسا ويخلق شبكة خفية من النفوذ.
المنتخبون تحت الضغط: اختراق البلديات الفرنسية
كشف تحقيق القناة الثانية الفرنسية عن تدخل جزائري مباشر في الحياة السياسية المحلية الفرنسية، حيث استُدعيت في نونبر 2024، مستشارة بلدية فرنسية-جزائرية إلى قنصلية جزائرية، لإجراء مقابلة استمرت ساعتين في أجواء قمعية، بسبب افتتاح شارع يحمل اسم «معطوب الوناس»، تكريما للمغني القبائلي، دون الإشارة إلى الجزائر، بما أنه أول مغني قبائلي طالب باستقلالية القبائل، وتم اغتياله سنة 1998. الموظف الجزائري طالب بإعادة تعريف اللوحة لتتضمن تغيير وصفه ليُذكر كمغن جزائري، مؤكدا أن المستشارة تحت المراقبة المستمرة. كما طلب منها موظف الاستخبارات الجزائري التعبير عن ولائها للجزائر، وتقديم معلومات عن نشاطات معارضين جزائريين في فرنسا.
التحقيق أكد أن هذا النوع من الضغط لم يكن حادثا منعزلا، بل نمط متكرر يشمل العديد من المنتخبين المحليين، يهدف إلى توظيف النفوذ السياسي للجالية في دعم الجزائر ومواجهة أي نقد إعلامي أو سياسي.
صابرينا صبايحي: ضغوط مزدوجة وهويات متشابكة
تأتي تجربة صابرينا صبايحي، نائبة عن حزب الخضر، ونائبة رئيس مجموعة الصداقة الفرنسية-الجزائرية، لتوضح الأبعاد النفسية والسياسية للضغوط التي يعيشها المسؤولون الفرنسيون من أصل جزائري. قبل أقل من 15 يوما، زارت الجزائر والتقت برئيس البرلمان لمناقشة ملفات شائكة، مثل ملفات OQTF والجالية والتوتر الدبلوماسي. ففي لقاء صحفي، أكدت صابرينا: «لم أتلق أي اتصال أو تهديد من أجهزة الاستخبارات الجزائرية، لكن الموقف الذي واجهته، أثناء عملي كمنتخبة محلية، يوضح حجم محاولات التدخل».
تعيش صابرينا واقعا مزدوجا: من جهة، تدافع عن مصالح الجالية الجزائرية في فرنسا، ومن جهة أخرى تواجه تهديدات ورسائل إلكترونية تحض على العنف والضغط النفسي. تقول: «في وسائل التواصل الاجتماعي تصلنا رسائل تقول: سنقطع وجهك، أو نعرف أماكن وجود النواب، وبعضها حقيقي، وبعضه مجرد ضغط نفسي».
صابرينا تؤكد أن الهدف من هذه العمليات هو تعزيز الولاء للجزائر بين أبناء الشتات، وإجبارهم على تبني الخطاب الرسمي، وإسكات أي معارضة أو نقد.
الصحافي الفرنسي كريستوف غليز: مثال على التضييق المباشر
القضية الأكثر وضوحا لتأثير الحرب الخفية على الأفراد هي قضية كريستوف غليز، الصحافي الفرنسي الذي دخل الجزائر للتحقيق في وفاة لاعب داخل ناد قبائلي. تم اعتقاله في ماي 2024، واتهم بدخول البلاد بتأشيرة سياحية وإقامة علاقات مع استقلاليين قبائليين، ثم حُكم عليه، في يونيو 2025، بالسجن سبع سنوات نافذة بتهمة تمجيد الإرهاب، رغم أن تحقيقه كان صحافة رياضية بحتة. خصوصا بعد أن كان غليز يحقق في ناد كروي يرمز للهوية القبائلية، وفي وفاة مشبوهة لأحد لاعبيه.
سابقا، اعتُقل الكاتب بوعلام صنصال لمدة عام، بسبب كتاباته وحبه لفرنسا، ما يعكس نمط استهداف السلطات الجزائرية للصحافيين والكتاب، الذين يتناولون موضوعات حساسة.
ماكسيم، شقيق غليز، وصف الوضع بقوله: «أخي يقبع في السجن الجزائري لمدة سبع سنوات، الجزائر تخلق لنفسها مشكلة سترافقها سنوات إذا لم تُحل بسرعة».
هذه القضية تكشف كيف يتم استخدام القضاء في الجزائر أحيانا كأداة سياسية في صراعات أكبر، ما يعكس البعد الاستراتيجي لتلك الحرب غير المعلنة.
المغرب والصحراء: تصعيد دبلوماسي
كشف تحقيق القناة الثانية الفرنسية عن أن تصريحات الرئيس الفرنسي، خلال قمة السبع 2024، حول دعم سيادة المغرب على الصحراء المغربية، أثارت أزمة دبلوماسية كبيرة. الجزائر اعتبرت هذا «خيانة» للسياسة الإقليمية، حيث قال الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، الذي كانت تربطه علاقة قوية مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، إنه إذا دعم المغرب في هذه القضية سوف تنتهي علاقتهما للأبد؛ كما لو كان حوارا من فيلم رومانسي.
لكن الدعم الفرنسي لمغربية الصحراء بات واضحا، ما أسفر عنه انزعاج جزائري وتم استدعاء السفيرين، ما حول الملف إلى قضية سياسية تتداخل فيها السيادة الوطنية والمطالب الإقليمية، ويظهر كيف يمكن أن تُستغل هذه القضايا لتغذية الخطاب الإعلامي والسياسي على جانبي المتوسط.
الجالية الفرنسية الجزائرية: ساحة المعركة الحقيقية
تبقى الجالية الفرنسية الجزائرية تحت الضغط المزدوج: من المجتمع الفرنسي الذي يتهمها أحيانا بالتواطؤ أو الخيانة، ومن السلطات الجزائرية التي تمارس ضغوطا مباشرة على منتخبين وناشطين. رجال الأعمال، والإطارات، والصحافيون، والمنتخبون المحليون يشعرون بأنهم مراقبون ومستهدفون، مع تهديد مباشر للعلاقات الاقتصادية: ستة آلاف شركة فرنسية وخمسة مليارات أورو صادرات، قد تتأثر مباشرة من خلال هذه العلاقات المتوترة.