البرازيل تمنح لولا ولاية رابعة في الرئاسة - تيلي ماروك

لويس إيناسيو لولا دا سيلفا البرازيل تمنح لولا ولاية رابعة في الرئاسة

البرازيل تمنح لولا ولاية رابعة في الرئاسة
  • 64x64
    Télé Maroc
    نشرت في : 26/10/2026

لم يكن فوز الرئيس البرازيلي اليساري لويس إيناسيو لولا دا سيلفا بولاية رابعة مجرد انتصار انتخابي، بل مفاجأة سياسية أوقفت تقدم اليمين في أكبر دول أمريكا اللاتينية، وأعادت طرح أسئلة بشأن مستقبل التوازنات الإقليمية وعلاقة برازيليا بواشنطن. فبعد منافسة محتدمة، تمكن لولا من هزيمة فلافيو بولسونارو، نجل الرئيس السابق جايير بولسونارو، محققا 51.76 في المئة من الأصوات، مقابل 48.24 في المئة لمنافسه.

 

وجاءت النتيجة مخالفة لتوقعات استطلاعات الرأي، وسط استقطاب داخلي حاد وتوترات بشأن سير الاقتراع. لكنها لا تعني نهاية نفوذ اليمين، بقدر ما تؤكد أن الصراع على هوية البرازيل السياسية لا يزال مفتوحا، وأن الرئيس العائد إلى السلطة يواجه تحديات تتجاوز الفوز بصناديق الاقتراع، من إدارة برلمان تميل موازينه إلى اليمين، إلى مواجهة الضغوط الاقتصادية، وإعادة ضبط علاقاته مع الولايات المتحدة.

 

 

 

توقيف تمدد اليمين بأمريكا اللاتينية

 

 

 

تكتسب إعادة انتخاب لولا أهميتها من توقيتها، إذ تأتي في مرحلة حققت فيها التيارات المحافظة مكاسب في عدد من دول أمريكا اللاتينية، بدعم من قوى تتقاطع توجهاتها مع إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.

 

وبفوزه، أبقى لولا البرازيل ضمن أبرز معاقل اليسار في المنطقة، مانعا انتقال أكبر اقتصادات أمريكا اللاتينية إلى معسكر أكثر تقاربا مع واشنطن. ولا يعني ذلك أن اليسار استعاد السيطرة على القارة، لكنه يكشف أن صعود اليمين ليس مسارا حتميا، وأن الانتخابات لا تزال قادرة على إعادة رسم موازين القوى.

 

وكان فلافيو بولسونارو قد تقدم في الجولة الأولى التي جرت في الرابع من أكتوبر الجاري، لكنه لم يحصل على الأغلبية اللازمة لحسم السباق. وبذلك، نجح لولا في قلب النتيجة خلال جولة الإعادة، مستندا إلى قاعدته التقليدية، سيما في مناطق الشمال الشرقي، وإلى تعبئة انتخابية ساعدته على استقطاب مزيد من الأصوات.

 

ويكشف الفارق المحدود بين المرشحين أن المجتمع البرازيلي لا يزال منقسما بشدة، وأن فوز لولا لا يمنحه تفويضا سياسيا مطلقا، بل يضعه أمام مهمة صعبة تتمثل في إدارة الخلافات وتقديم نتائج ملموسة للناخبين.

 

 

 

تشكيك في النتائج وأزمة ثقة مستمرة

 

شهد يوم الاقتراع توترات، بسبب شكاوى من اضطراب خدمات النقل العام في عدد من المدن، ما أثار مخاوف من تعذر وصول بعض الناخبين إلى مراكز التصويت. وطالب لولا بتمديد ساعات الاقتراع لتعويض المتضررين، قبل أن يصدر قرار قضائي بتمديد التصويت ساعتين.

 

وأقرت السلطات بوجود مشكلات في النقل، فيما أشارت تقارير إلى صدور مذكرة إيقاف بحق مسؤول في مدينة سلفادور، بعد رصد حافلات متوقفة في مرائبها بدلا من نقل الركاب. ومع ذلك، لا تثبت هذه الوقائع وحدها وجود خطة شاملة للتلاعب بالانتخابات، إذ يتطلب إثبات المسؤولية تحديد المخالفات وأثرها من خلال التحقيقات والأدلة.

 

وعقب إعلان النتائج، رفض فلافيو بولسونارو الاعتراف بها، معلنا عزمه المطالبة بإلغاء الانتخابات، ومعتبرا أن العملية الانتخابية شابتها أمور تحتاج إلى توضيح.

 

ويعيد هذا الموقف إلى الواجهة أزمة الثقة التي طبعت الانتخابات السابقة، عندما رفض أنصار والده الاعتراف بهزيمته أمام لولا عام 2022. وفي يناير 2023، اقتحم آلاف المحتجين مقار المحكمة العليا والقصر الرئاسي والكونغرس في برازيليا، في أحداث أسفرت عن اعتقالات واسعة.

 

ولاحقا، أدين جايير بولسونارو في قضية تتعلق بالتخطيط لانقلاب للإطاحة بلولا، وصدر بحقه حكم بالسجن لمدة طويلة. ورغم غيابه عن المنافسة المباشرة، ظل تأثيره حاضرا من خلال ترشح ابنه، الذي حاول استقطاب قاعدته المحافظة، ومواصلة المشروع السياسي للعائلة.

 

وتضع هذه التطورات المؤسسات البرازيلية أمام مسؤولية حماية الثقة بالعملية الديمقراطية، والتعامل مع الشكاوى وفق القانون، ومنع تحول الخلاف السياسي إلى محاولة لتقويض شرعية النتائج دون أدلة حاسمة.

 

 

 

بولسونارو.. مشروع يميني يتجاوز الانتخابات

 

 

 

خاض فلافيو بولسونارو السباق مرشحا عن الحزب الليبرالي اليميني، مستندا إلى إرث والده، وقاعدة محافظة متماسكة. ورغم تقديمه نفسه بصورة أقل صدامية، فقد تبنى مواقف متشددة في مكافحة الجريمة، ودعا إلى إطالة مدد العقوبات وتخفيف القيود على حيازة الأسلحة النارية.

 

كما ضغط من أجل تصنيف عصابتين إجراميتين برازيليتين كبيرتين، هما «كوماندو فيرميلهو» و«بريميرو كوماندو دا كابيتال»، منظمتين إرهابيتين أجنبيتين، وهي خطوة أقدمت عليها الولايات المتحدة في يونيو، رغم معارضة حكومة لولا.

 

وسعى فلافيو أيضا إلى كسب تأييد الإنجيليين والعاملين في القطاع الزراعي، متعهدا بتخفيف القيود التنظيمية وتقليص تدخل الدولة في النشاط الاقتصادي. وفي الملف البيئي، أقر بوجود ظواهر مناخية متطرفة، لكنه وصفها بأنها دورية، في موقف يعكس اختلافه مع السياسات التي تعطي أولوية أكبر لمواجهة تغير المناخ.

 

أما في السياسة الخارجية، فقد عمل على توثيق علاقاته بإدارة ترامب، وتعهد بانضمام البرازيل إلى تحالف «درع الأمريكتين»، الذي أطلقته واشنطن لتعزيز التعاون الأمني في مواجهة الجريمة المنظمة.

 

ورغم خسارته، لا يعني ذلك نهاية المشروع البولسوناري، خصوصا في ظل المكاسب التي حققها المحافظون في الانتخابات التشريعية. وقد يبقى هذا التيار قوة مؤثرة قادرة على عرقلة بعض سياسات الحكومة، ومنافسة اليسار في الاستحقاقات المقبلة.

 

 

 

لولا أمام برلمان يميني وتحديات اقتصادية

 

 

 

على الرغم من فوزه بالرئاسة، لن يتمتع لولا بهامش سياسي واسع، بعدما عزز المحافظون حضورهم في البرلمان بغرفتيه. وسيكون مضطرا إلى بناء تحالفات تشريعية لتمرير الموازنة والإصلاحات، في ظل الخلافات حول الإنفاق العام والضرائب ودور الدولة في الاقتصاد.

 

كما ستراقب الأسواق توجهات حكومته المالية، وسط مطالب بتحقيق التوازن بين الإنفاق الاجتماعي والانضباط المالي وجذب الاستثمارات. ويزيد ضيق الفارق الانتخابي صعوبة المهمة، إذ يتعين على الرئيس مراعاة مخاوف شرائح لم تصوت له، والعمل على تخفيف الاستقطاب.

 

ويستند لولا إلى رصيد اجتماعي مهم من ولايتيه الأوليين بين عامي 2003 و2010، حين نالت برامجه لمكافحة الفقر، وفي مقدمتها برنامج المساعدات النقدية «بولسا فاميليا»، إشادة واسعة بسبب دورها في تحسين أوضاع ملايين البرازيليين.

 

لكن مسيرته شهدت انتكاسات، بعدما أُدين في قضايا فساد وأمضى أكثر من 18 شهرا في السجن، قبل إلغاء أحكام الإدانة عام 2021، ما أتاح له العودة إلى المنافسة والفوز بالرئاسة عام 2022.

 

ويثير وصوله إلى ولاية رابعة، في سن متقدمة، أسئلة بشأن تجديد القيادة داخل حزب العمال، وإعداد جيل جديد من القيادات. فنجاحه في الاحتفاظ بالرئاسة لا يضمن وحده استمرار مشروعه بعد انتهاء ولايته، ما لم يتمكن الحزب من بناء قاعدة سياسية تتجاوز شخصه.

 

 

 

الأمازون بين حماية البيئة وعائدات النفط

 

 

 

يشكل الملف البيئي اختبارا آخر للرئيس البرازيلي، الذي حظي بدعم المدافعين عن البيئة، بسبب تعهداته بحماية غابات الأمازون. غير أن بعض هؤلاء انتقدوا دعمه التنقيب عن النفط في المياه قبالة مصب نهر الأمازون.

 

ويبرر لولا هذا التوجه بأن عائدات النفط يمكن أن تمول الانتقال إلى الطاقة النظيفة، بينما يرى منتقدوه أن التوسع في استكشاف الوقود الأحفوري يتعارض مع الالتزامات المناخية.

 

في المقابل، تستشهد حكومته بتراجع معدلات إزالة الغابات، مشيرة إلى أن بيانات الأقمار الصناعية سجلت انخفاضا في المساحات المزالة خلال النصف الأول من عام 2026 إلى أدنى مستوى لها منذ عشر سنوات.

 

ويكشف هذا التباين صعوبة الموازنة بين متطلبات التنمية والتمويل من جهة، وحماية البيئة من جهة أخرى. وسيكون نجاح لولا مرتبطا بقدرته على ترجمة التعهدات المناخية إلى سياسات متماسكة، دون جعل عائدات النفط مبررا لتأجيل التحول نحو الطاقة النظيفة.

 

 

 

واشنطن أمام رئيس يتمسك بسيادة القرار البرازيلي

 

 

 

تمثل العلاقة مع الولايات المتحدة أحد أبرز ملفات الولاية الجديدة، بعدما شهدت توترا خلال السنوات الماضية، بسبب الخلافات التجارية والأمنية، والتنافس على النفوذ في نصف الكرة الغربي.

 

ورفع لولا خلال حملته شعار السيادة الوطنية، محذرا من أن التقارب الذي يدعو إليه فلافيو بولسونارو مع واشنطن، قد يقيد استقلال القرار البرازيلي. وانتقد ما يعرف بـ«عقيدة دونرو»، التي تعكس توجه إدارة ترامب نحو تعزيز النفوذ الأمريكي في المنطقة، مؤكدا أن البرازيل ليست ساحة خلفية لأي دولة.

 

في المقابل، يرى التيار البولسوناري أن التعاون الوثيق مع واشنطن ضروري لمواجهة العصابات الإجرامية، واستعادة السيطرة على المناطق الخاضعة لنفوذها.

 

ولم يعلن ترامب دعما صريحا لفلافيو في الجولة الثانية، رغم ترحيبه بتقدمه في الجولة الأولى. كما لم يصدر عنه موقف واضح عقب إعلان فوز لولا، ما يترك الباب مفتوحا أمام مرحلة من التفاوض الحذر بين الطرفين.

 

ولا تستطيع برازيليا تجاهل أهمية السوق الأمريكية، كما لا تستطيع واشنطن التعامل مع البرازيل باعتبارها شريكا هامشيا. لذلك، قد يسعى لولا إلى توسيع علاقات بلاده مع شركاء آخرين، سيما ضمن مجموعة «بريكس» وتكتلات التعاون بين دول الجنوب، مع الحفاظ على المصالح الاقتصادية والدبلوماسية المشتركة مع الولايات المتحدة.

 

 

 

تهاني دولية تعكس أهمية البرازيل

 

 

 

عكست ردود الفعل الدولية حجم الاهتمام بمستقبل البرازيل. فقد هنأت رئيسة المكسيك كلاوديا شينباوم لولا، كما رحب قادة أوروبيون، بينهم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، ورئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز، ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لايين، بإعادة انتخابه، مؤكدين أهمية التعاون في التجارة والمناخ والعلاقات الدولية.

 

وفي آسيا، هنأت الصين الرئيس البرازيلي، معربة عن استعدادها لتعزيز التعاون مع بلاده، فيما أعرب رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي عن تطلعه إلى تعميق الشراكة الاستراتيجية بين البلدين. كما أكد رئيس الوزراء الكندي مارك كارني رغبته في تعزيز العلاقات مع برازيليا.

 

وتشير هذه المواقف إلى أن الانتخابات لا تحدد مستقبل السياسة الداخلية البرازيلية فحسب، بل تؤثر أيضا في حسابات الشركاء الدوليين، بشأن التجارة والمناخ والأمن والتوازنات الجيوسياسية.

 

 

 

انتصار لا ينهي الصراع السياسي

 

 

 

ويمنح فوز لولا اليسار البرازيلي فرصة جديدة لمواصلة مشروعه الاجتماعي والسياسي، ويوقف مؤقتا تمدد اليمين في أمريكا اللاتينية، لكنه لا ينهي الصراع على هوية البلاد، أو يضمن استقرار موقع اليسار في الانتخابات المقبلة.

 

فالرئيس سيواجه برلمانا يميل إلى اليمين، ومجتمعا منقسما، وتحديات اقتصادية واجتماعية تتطلب نتائج ملموسة، إلى جانب علاقة مع واشنطن تحكمها المصالح والتنافس على النفوذ.

 

وفي المحصلة، لا تكمن دلالة الانتصار في هزيمة فلافيو بولسونارو فحسب، بل في اختيار البرازيل، بفارق محدود، الاستمرار في مسار سياسي مختلف عن التوجه المحافظ الصاعد في المنطقة. وستتحدد قدرة هذا الخيار على الصمود بمدى نجاح لولا في تحسين أوضاع المواطنين، وإدارة الخلافات الداخلية، وحماية استقلال القرار الوطني، دون عزل البلاد عن شركائها الدوليين.

 

فالولاية الرابعة ليست مجرد فصل جديد في مسيرة لولا، بل اختبار لمستقبل اليسار البرازيلي وموقع أكبر اقتصادات أمريكا اللاتينية في عالم تتنافس فيه القوى الكبرى على النفوذ، فيما ينتظر الناخبون أن تنعكس نتائج صناديق الاقتراع على حياتهم اليومية


إقرأ أيضا