وجهت انتخابات التجديد النصفي ضربة سياسية ثقيلة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بعدما نجح الديمقراطيون في انتزاع السيطرة على مجلسي النواب والشيوخ، محققين مكاسب انتخابية تجاوزت حدود المنافسة التقليدية إلى معاقل جمهورية ظلت عصية عليهم لسنوات. وجاءت النتائج في لحظة حساسة من الولاية الثانية لترامب، مع تراجع الرضا عن أدائه، وتصاعد الضغوط الاقتصادية، وتزايد كلفة الحرب مع إيران، لتكشف أن النفوذ السياسي الذي يتمتع به الرئيس داخل حزبه لا يضمن بالضرورة استمرار ثقة الناخبين بسياساته.
وتفتح هذه الهزيمة مرحلة جديدة من المواجهة بين البيت الأبيض والكونغرس، إذ يفقد الجمهوريون السيطرة على الأجندة التشريعية، بينما يحصل الديمقراطيون على أدوات واسعة لمراقبة الإدارة والتحقيق في قراراتها ومساءلة مسؤوليها. وفي المقابل، يجد ترامب نفسه أمام تحديين متوازيين: إدارة ما تبقى من ولايته في ظل كونغرس معارض، واحتواء تداعيات الهزيمة داخل حزبه، حيث بدأت الأسئلة تتصاعد بشأن مستقبل الحركة التي قادها، والقيادات التي ستتنافس على خلافته في انتخابات 2028.
موجة زرقاء تخترق معاقل الجمهوريين
أظهرت النتائج انتقالا واضحا في موازين القوى داخل المؤسسة التشريعية الأمريكية، بعدما تمكن الديمقراطيون من انتزاع 52 مقعدا في مجلس الشيوخ من أصل 100، إثر فوزهم بستة مقاعد كانت تحت سيطرة الجمهوريين.
وشملت أبرز المكاسب ولايات تكساس وكانساس وساوث كارولاينا ونورث كارولاينا، إلى جانب احتفاظ الحزب بمقاعده في جورجيا ونيوهامبشر. ففي تكساس، فاز جيمس تالاريكو على الجمهوري كين باكستون، بينما حقق آدم هاملتون انتصارا في كانساس، وهزمت آني أندروز منافستها دارلين غراهام في ساوث كارولاينا. كما فاز روي كوبر في نورث كارولاينا، واحتفظ جون أوسوف بمقعده في جورجيا، فيما حقق كريس باباس الفوز في نيوهامبشر. وفي ولاية ميشيغان، حقق الديمقراطي عبدول السيد فوزا صعبا على منافسه الجمهوري مايك روجرز، ليصبح أول مسلم يُنتخب عضوا في مجلس الشيوخ الأمريكي، في تطور يحمل دلالة سياسية ورمزية، ويعكس اتساع المكاسب الديمقراطية لتشمل وجوها جديدة في المؤسسة التشريعية.
وامتدت المكاسب إلى مجلس النواب، حيث نجح الديمقراطيون في انتزاع مقاعد من الجمهوريين، من بينها فوز جاي دي فورد على فيكتوريا سبارتز في إنديانا. إلى جانب اختراقات أخرى في ولايات تنافسية. ولم تحقق محاولات الجمهوريين تعزيز فرصهم عبر إعادة رسم الدوائر الانتخابية في فلوريدا النتائج التي كانوا يأملونها.
وفي انتخابات حكام الولايات، حقق الديمقراطيون انتصارات بارزة، أبرزها فوز كيشا لانس بوتومز بحاكمية جورجيا، لتصبح أول امرأة سوداء تنتخب لهذا المنصب في الولاية. كما فازت إيمي أكتون في أوهايو، وجينا هينوجوسا في تكساس، ورود ساند في آيوا. في المقابل، تمكن الجمهوري بايرون دونالدز من الفوز في فلوريدا، واحتفظت آشلي مودي بمقعدها.
وتعكس هذه النتائج تراجعا في قدرة الجمهوريين على الاحتفاظ بالولايات التي اعتمدوا عليها انتخابيا، كما تشير إلى أن موجة الاعتراض على سياسات ترامب تجاوزت المنافسة على مقاعد الكونغرس، لتصل إلى انتخابات الولايات ومناصبها التنفيذية.
غلاء المعيشة والحرب مع إيران..
كان الاقتصاد العامل الأكثر تأثيرا في توجهات الناخبين، بعدما تصدرت تكاليف المعيشة اهتماماتهم، في ظل استمرار ارتفاع أسعار السلع والخدمات، وتراجع القدرة الشرائية للأسر. وأظهرت استطلاعات الخروج أن تسعة من كل عشرة ناخبين اعتبروا تكاليف المعيشة قضية مهمة في اختيارهم، فيما حمل نحو ثلثي المشاركين إدارة ترامب مسؤولية استمرار ارتفاع الأسعار.
وترافقت هذه الضغوط مع تراجع شعبية الرئيس، إذ أظهرت استطلاعات أن نسبة الرضا عن أدائه هبطت إلى نحو 38 في المئة، مقابل عدم رضا يقارب 62 في المئة. كما انعكست سياسات الرسوم الجمركية على تقييم الناخبين للأداء الاقتصادي، وسط مخاوف من تأثيرها في الأسعار وسلاسل التوريد والوظائف.
وزادت الحرب مع إيران من حدة الضغوط، بعدما ساهمت في ارتفاع أسعار النفط والبنزين والديزل، لتتحول تداعياتها الاقتصادية إلى عبء سياسي مباشر على البيت الأبيض. ولم تعد الحرب قضية مرتبطة بالسياسة الخارجية وحدها، بل امتدت آثارها إلى الحياة اليومية للأمريكيين، في وقت كان فيه الناخبون ينتظرون تحسنا ملموسا في أوضاعهم المعيشية.
كما فقد ترامب جزءا من الدعم الذي حظي به سابقا لدى فئات انتخابية مهمة، بينها الشباب واللاتينيون والرجال السود والمستقلون. وأظهرت النتائج أن قطاعات من هذه الفئات لم تعد تنظر إلى خطاب الرئيس ووعوده باعتبارها ضمانة لتحسين أوضاعها، خصوصا مع استمرار الضغوط الاقتصادية.
إلى جانب ذلك، برز القلق من تركيز السلطة في يد الرئيس، إذ أيد نحو سبعة من كل عشرة ناخبين تعزيز دور الكونغرس في مراقبة الإدارة. وهو مؤشر يعكس أن التصويت لم يكن محكوما بالاقتصاد وحده، بل ارتبط أيضا بمخاوف بشأن التوازن بين السلطات وحدود النفوذ الرئاسي.
ترامب يرفض وصف «الهزيمة الشخصية»
أقر ترامب بأن الحرب مع إيران ساهمت جزئيا في خسارة الجمهوريين، لكنه رفض إبداء الندم على قرارها، مؤكدا أنه كان سيتخذ الخطوة نفسها مجددا. وأشار إلى أن ارتفاع أسعار النفط كان العبء الأكبر الذي انعكس على الناخبين، في اعتراف ضمني بأن التداعيات الاقتصادية للصراع أضعفت موقف حزبه.
وفي الوقت نفسه، حاول الرئيس التقليل من الطابع الشخصي للهزيمة، معلنا استعداده لقبول النتائج والتعاون مع الديمقراطيين، ومشيدا بأداء بعض مرشحيهم. لكنه لم يتعامل مع النتيجة باعتبارها رفضا شاملا لقيادته، ولوح باستخدام حق النقض ضد التشريعات التي لا تحظى بموافقته.
وألقى ترامب جزءا من المسؤولية على وسائل الإعلام، وخصوصا شبكة «فوكس نيوز»، كما أقر بأن بعض المرشحين الذين دعمهم لم يكونوا الخيار الأفضل انتخابيا. ومع ذلك، لم يبد مؤشرات على تغيير كبير في فريقه، مؤكدا دعمه لوزير الحرب، بيت هيغسيث، وعدم نيته إجراء تعديلات قيادية في الوقت الراهن.
وتكشف مواقفه عن محاولة للموازنة بين الاعتراف بالعوامل التي أسهمت في الخسارة، والحفاظ على صورته بوصفه القائد المهيمن على الحزب الجمهوري. غير أن النتائج وضعت هذه الهيمنة أمام اختبار صعب، بعدما أظهرت أن تأييد ترامب لم يعد كافيا لضمان فوز المرشحين الذين يختارهم أو يدعمهم.
كونغرس معارض يفتح جبهة التحقيقات والرقابة
يمثل انتقال السيطرة على مجلس النواب والشيوخ إلى الديمقراطيين تحولا جوهريا في علاقة البيت الأبيض بالسلطة التشريعية. فبعدما تمكن الجمهوريون من تمرير أجندة ترامب خلال الفترة السابقة، سيجد الرئيس نفسه أمام معارضة تملك القدرة على تعطيل مشاريع قوانينه والتحكم في أولويات اللجان البرلمانية.
وتعهد حكيم جيفريز، زعيم الديمقراطيين في مجلس النواب، بتفعيل أدوات الرقابة والمحاسبة، وفتح تحقيقات في مزاعم الفساد والإثراء الشخصي، إلى جانب التدقيق في قرارات الإدارة وسياساتها. وتمنح السيطرة على اللجان الديمقراطيين صلاحيات واسعة لاستدعاء المسؤولين، وطلب الوثائق، وإجراء جلسات استماع قد تتحول إلى جبهة ضغط مستمرة على البيت الأبيض.
وتشمل الملفات المحتملة إدارة الحرب مع إيران، والإنفاق الحكومي، والميزانية، وسقف الدين، فضلا عن القرارات التنفيذية التي اتخذتها الإدارة. كما قد يستخدم الديمقراطيون سلطتهم التشريعية لعرقلة المبادرات التي تمثل أولوية للرئيس، أو فرض تنازلات سياسية مقابل تمرير بعض القوانين.
وتبقى إمكانية إطلاق إجراءات لعزل ترامب حاضرة في المشهد، خصوصا إذا أسفرت التحقيقات عن تطورات سياسية أو قانونية جديدة. لكن الإدانة وإزاحته من منصبه تتطلبان موافقة ثلثي أعضاء مجلس الشيوخ، وهو شرط يجعل تحقيق ذلك أمرا بالغ الصعوبة، حتى مع امتلاك الديمقراطيين الأغلبية.
وفي ظل هذه المعادلة، قد يلجأ ترامب إلى توسيع استخدام الأوامر التنفيذية والعفو الرئاسي لتعويض تراجع قدرته على تمرير التشريعات، وهو ما قد يزيد بدوره من حدة المواجهة مع الكونغرس.
الميزانية والحرب وإرث ترامب..
لن تقتصر المواجهة بين الطرفين على التحقيقات، بل ستمتد إلى الملفات الأساسية التي تحدد قدرة الإدارة على تنفيذ سياساتها. فالميزانية والإنفاق الحكومي وسقف الدين ستصبح أدوات تفاوض وضغط في يد الديمقراطيين، الذين يستطيعون استخدام موافقتهم على التمويل لفرض تعديلات أو انتزاع تنازلات من البيت الأبيض.
كما ستكون الحرب مع إيران من أبرز الملفات الخاضعة للرقابة، خصوصا مع تزايد كلفتها الاقتصادية والسياسية. وسيواجه ترامب ضغوطا لتقديم تفسيرات بشأن أهداف الحرب ومدتها وتداعياتها، في وقت تتزايد فيه حساسية الناخبين تجاه ارتفاع أسعار الطاقة.
وفي المقابل، تحدثت تقارير عن احتمال تركيز ترامب بصورة أكبر على مشروعاته العمرانية في واشنطن، بدلا من خوض معارك تشريعية طويلة مع الكونغرس. وتشمل هذه المشروعات إقامة قوس تذكاري ضخم، وتجديد بركة الانعكاس أمام نصب لنكولن، وتطوير ملعب إيست بوتوماك للغولف، وهي مبادرات أثارت انتقادات بشأن تكلفتها وأولوياتها.
لكن البيت الأبيض نفى أن تكون هذه المشاريع مؤشرا على تغيير في أولويات الرئيس، مؤكدا استمرار التزامه بأجندته. ومع ذلك، فإن تقلص المساحة التشريعية المتاحة أمام ترامب، قد يدفعه إلى التركيز على الملفات التي يستطيع تنفيذها بقرارات مباشرة، أو من خلال صلاحياته الرئاسية.
تصدعات داخل الحزب الجمهوري
تضع الهزيمة الحزب الجمهوري أمام مراجعة داخلية صعبة، بعدما كشفت أن الارتباط السياسي بترامب، قد يتحول في بعض الدوائر إلى عبء انتخابي بدلا من أن يكون مصدر قوة. فقد خسر مرشحون حظوا بدعم الرئيس، وهو ما قد يشجع أصواتا جمهورية على إعادة تقييم العلاقة مع حركة «ماغا» وطريقة إدارة الحزب.
وتتجه الأنظار تدريجيا إلى مرحلة ما بعد ترامب، خصوصا أن الدستور الأمريكي يمنعه من الترشح لولاية رئاسية ثالثة. ومع اقتراب انتخابات 2028، ستبدأ المنافسة على قيادة الحزب وتحديد هوية المرشح القادر على الاحتفاظ بقاعدة ترامب الشعبية، من دون تحمل الكلفة السياسية نفسها التي أفرزتها سياساته.
وتكشف الهزيمة أن الحزب يواجه معضلة تتجاوز خسارة مقاعد في الكونغرس؛ فهو مطالب بالحفاظ على القاعدة الانتخابية التي بناها ترامب، وفي الوقت نفسه استعادة ثقة الناخبين المستقلين والفئات التي ابتعدت عنه. وقد يؤدي هذا التناقض إلى صراعات بين أنصار استمرار النهج الحالي، وداعين إلى إعادة صياغة الخطاب الجمهوري.
وبذلك يدخل ترامب ما تبقى من ولايته الثانية في ظل توازن سياسي جديد، تصبح فيه قرارات إدارته أكثر عرضة للرقابة، وتتحول أجندته التشريعية إلى رهينة التوافق مع خصومه. وبين ضغوط الاقتصاد وتداعيات الحرب والتحقيقات المحتملة والتنافس على مستقبل الحزب الجمهوري، ستكون المعركة المقبلة حول قدرة الرئيس على حماية إرثه السياسي، في وقت لم تعد فيه السيطرة على حزبه كافية لضمان السيطرة على واشنطن.